أبو علي سينا
288
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وقد يكون هذا الدوار من النظر أيضاً إلى الأشياء التي تدور حتى ترسخ تلك الهيئة المحسوسة في النفس ، ولهذا قيل : إن الأفاعيل الحسية كلها متعلقة بآلات جسدانية منفعلة ، أولها وأولاها الروح الحساس ، وتبقى فيه عن كل محسوس مئة بعد مفارقته إذا كان المحسوس قوياً ، فإن كل محسوس إنما يفعل في الآلة الحاسة هيئة هي مثاله ، ثم تثبت تلك الهيئة وتبطل بمقدار قبول الآلة ، وقوة المحسوس ، وشرح هذا في العلم الطبيعي . وكلما كان البدن أضعف ، كان هذا الانفعال فيه أشدّ كما في المرضى ، فإنه قد يبلغ المريض في ذلك مبلغاً بعيداً حتى إنه ليدار به بأدنى حركة منهم ، لأنهم يحتاجون في الحركة إلى تكلف شديد يتمكنون به من الحركة لضعفهم ، فيعرض لروحهم أذى وانفعال وتزعزع . وقد يكون الدوار إما من أسباب بدنية حاضرة في جوهر الدماغ ، حاصلة فيه من بخارات حائلة في العروق التي فيه وفي العصب . وإما من أخلاط محتقنة فيه من كل جنس فيتبخر بأدنى حركة أو حرارة ، فإذا تحركت تلك الأبخرة حركت بحركتها الروح النفساني الذي إنما ينضج ويتقوّم في تلك العروق ، ثم يستقرّ في جوهر الدماغ ، ثم يتفرّق في العصب إلى البدن . وإما بسبب كثرة بخارات قد احتقنت فيه متصعدة إليه من مواضع أخرى ، ثم مستقرة فيه باقية عن مرض حاد متقدم ، أو مرض بارد فتكون رياح فجّة تحركها القوة المنضجة والمحللة . وقد يكون لا لحركة بخارات في الدماغ ، ولكن لسوء مزاج مختلف بغتة يلزم منه هيجان حركة مضطربة في الروح لا لمحرّك جرماني يخالطه من بخار أو غيره ، كما يعرض ذلك من الحركة المختلفة الحادثة من الماء والنار إذا اجتمعا ، وقد يكون من محرّك للروح من خارج ، مثل ضارب للرأس ، أو كاسر للقحف حتى يضغط الدماغ ، والروح الساكن ، فيتبعه حركات مختلفة دائرة متموّجة ، كما يحدث في الماء من وقوع ثقل عليه ، أو وقوع ضرب عنيف على متنه فيستدير موجه ، ووقوع مثل ذلك في الهواء والجرم الهوائي أولى ، لكنه لا يحس . وقد يكون من بخارات متصاعدة إلى الدماغ حال تصاعدها وإن لم تكن متولدة في جوهره ولا محتقنة فيه قديماً ، فإذا تصاعدت حركت ويكون تصاعدها إليه ، إما في منافذ العصب ، فيكون من المعدة والمرارة بتوسط المعدة والمثانة والرحم والحجاب إذا أصابها أمراض ، أو تحرّكت الأخلاط التي فيها . وأكثر ذلك من المعدة ، وبعده من الرحم القابلة للفضول ، وإما في الأوردة والشرايين . أما الغائرة ، وأما الظاهرة . ومادة البخار قد تكون صفراء ، وقد تكون بلغماً . والدوار البلغمي شبيه بصرع ، وكثيراً ما تكون المشاركة المسمرة والمديرة ، لا لأجل مادة تصل ، بل لأجل تأذّ بكيفية تتصل بالدماغ ، فتورث السدر والدوار ، مثل الذي يعرض عند الخوى والجوع لبعض الناس ، وخصوصاً لمن لا يحتمل الجوع ، لأن فم المعدة منه يتأذى فيشاركه الدماغ ، وقد يكون الدوار والسدر على